محمد بيومي مهران
160
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
والسلام - أنه يؤمر بذبح ولده هذا ، ولما كانت أنبياء اللّه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فإن « رؤيا الأنبياء وحي » « 1 » ، ولهذا صمم الخليل على تنفيذ أمر ربه ، ولم يثنه عن عزمه هذا ، أن إسماعيل وحيده ، وأنه قد رزق به وهو شيخ كبير ، على رأس ست وثمانين سنة من عمره ، وبعد أن ظل يرجوه أعواما وأعواما ، رغم ذلك كله ، فإن خليل اللّه قد عقد العزم على إنجاز ما أمر به ، بإيمان المؤمنين ، واستسلام المسلمين للّه وحده ، مما يدل على منتهى الطاعة والامتثال لأمر اللّه ، وهذا هو الإسلام بعينه ، إذ أن الإسلام هو الطاعة والامتثال للّه ، وهو دين الأولين والآخرين « 2 » ، ولهذا فقد وصف اللّه سبحانه وتعالى هذا الأمر بقوله تعالى : « إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ » « 3 » ، على أن الخليل إنما رأى أن يعرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا « 4 » . ولنقرأ هذه الآيات الكريمة : « وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ، قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ، فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ، وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 9 ، البداية والنهاية 1 / 157 ، قارن : تفسير البيضاوي 2 / 297 روح المعاني 23 / 128 ( 2 ) انظر : تفسير الطبري 2 / 510 - 511 ، 3 / 74 ( طبعة دار المعارف ) ( 3 ) سورة الصافات : آية 106 ( 4 ) انظر : تفسير القرطبي 15 / 101 - 104 ، تفسير البيضاوي 2 / 297 ، تفسير الطبري 15 / 78 - 79